صرخة وطن عندما يبكي النيل دماً
سودان يفتش على جسر الحروب، يقف السودان اليوم على حافة الهاوية، يحدق في مرآة نفسه المكسورة، ويرى فيها انعكاساً لوجع لا يندمل، حرب لا تشبه الحروب، بل هي زلزال يمزق النسيج الروحي لهذا البلد الطاعن في العراقة. إنها معركة الوعي قبل معركة السلاح، صراع بين من يريدون للوطن أن يبقى ومن يفنون نيران الفرقة. منعطف المجتمع، الأوضاع تتمزق، تساقط خرزات المجتمع السوداني على إيقاع الرصاص، فالكسر العتيد الجميل الذي كان يزين صدورنا، الأسر تفرقت ك حبات المسبحة المقطوعة، والقبائل التي كانت أغصاناً لشجرة واحدة صارت شظايا تقاذف رياح الحرب، النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو موت بطيء للروح الجماعية، فالإعادة منصة خطأ للنسيان، نحتاج إلى: مساواة الجراح بالإنصاف لا بالإسعاف المؤقتة، حوار يخرج من تحت رماد الحرب كراية سلام، احتفاء بتنوعنا الذي هو سر قوتنا، لا شرارة ضعفنا؛ الخطر القادم من بعيد؛ أيادٍ تحرك الدمى، يتربص بنا عدو لا نراه، يأتي عبر الأقمار الصناعية والقنوات الخلفية، قوى ترى في سوداننا المكتوب مسرحاً لصراعاتها العابرة، تغذي فصائلنا وتضخ سموم التمزق في عروقنا.
وتحدي عزتنا؛ عيون ساهرة تحرس قضية الوطن، شفاة المؤسسات طرد ظلام الفساد، معالجة قضايا من الدواء قبل أن يصيبها الوباء من خارج الحدود السعيدة، وقع الأرجل فوق الجسور يبثون فينا تلك الأغنية القديمة؛ أغنية كبرى، صارت ثغرة يتسلل منها الغزاة، عين من سموم الخداع إلى سكين، ومن الجسر إلى حاجز، القبلية جمر حارق يكون هوية مكتملة، ولكنها كارثة حين تصبح هوية وحيدة وسيفاً مسلطاً على الجار. حضورنا هذا الوطن؛ مائدة حوار تجمع شيوخ القبائل والشباب والعلماء، قانون يجرم التمييز القبلي كما يجرم الدم، تنمية عادلة تصل لكل مضارب الأرض، فالعمل الاقتصادي خير من ألف حارس، واللاجئون الجدد أبناء الوطن الذين تركتهم فاجعتنا، فإنا غرقنا للنازحين في سنوات الرحمة، فأتوا إلينا وجدنا بيتاً، لكن غياب الرؤية جعل من هذا الفتى ذراعاً حول الهوية. اليوم، ندق ثمن التساهل السابق، وترصد بناء بيتنا الكبير؛ نظام اجتماعي جديد يضمن الكرامة للجميع، قوانين واضحة للجنسية كضوء الفجر في ليلة صافية، احترام الخصوصيات دون أن تطغى حيال الجامع المشترك "المواطنة"؛ العلم الذي لا يخطئ؛ دولة الأمس بنيت على الحصون والأرض، أما دولة الغد فتبنى على قلوب المواطنين، المواطنة المتساوية أن تشعر كل أم بغير النظر عن لون طفلها أو لغته أن صلاحه أن السودان سيكون له ولأخيه بيتاً، أن يكون الفقير الفني القابع في الأرياف نفس حظ ابن العاصمة في العدل والخدمات والكرامة، مواجهة هذا التحدي، قوانين تضمن الحقوق كما تضمن السماء المطر، مشاركة حقيقية للجميع في القرار، فالوطن ليس إرثاً لأقلية، تعليم يزرع حب الوطن في القلوب قبل الفضاء، فالجرح لا يجوع فيه أحد، فالجوع يعبر البيوت، الحثالة والميزات الذي لا يحمل القاصي العادل قوى من جيش بأكمله، حين يفلت القتل والسارق والمدمر من العقاب، يلهو ثعلب الشعب في كل شيء، العدالة ليست سيفاً يقطع الرؤوس، بل هي ماء يروي العطش للحقيقة، تنظيم ميزان الحق، فصاح ك النجوم في النزاهة، مدعومون بكل ما يحتاجون، سلطة قضائية لا تخضع لأي رئيس أو قائد، قيادة شجاعة التي علمنا إياها أجدادنا في مجلس الصلح، فالعين بالعين لا تلد إلا عيناً عمياء، سمحنا وعبرنا وعادتنا السامرة جئنا لالمجهولون اليوم يحملون خلف الجدران، قواتنا الأمنية تحتاج أن تكون قلباً واحداً ينبض بالوطنية، لا مجموعات أطراف متناحرة، وفي عصر اختراق البيث من نافذته الرقمية، نحتاج حارساً جديداً للبوابات الإلكترونية، ونتمنى الغد؛ بخطورة، كلمات طيبة وصفحات تتحدى في سادية كقطرات النيل، أغنية استخباراتية تواكب العصر وتنسق المخترقين بخطورة، كلمات طيبة وصفحات تتحدى كراستنا، فيصبح غير الرصاصة يا سودان، حان وقت الفجر يا بلد الأجداد، يا أرض النيلين، يا لوحة التنوع التي تنزف جدار أفريقيا، جراحك غائرة، والآلام ثقيلة، لكن النبض لا يزال هناك، تحت الركام، في قلوب أطفال الخيام، في أحلام اللاجئين، في أصوات النساء اللواتي يفتحن حبال الأمل كل فجر، أن الأوان لنعيد بناءك سوداناً، بلداً لم تلوثها الكراهية وقلوب لم تفسدها المصالح الضيقة، دولة للجميع، ليست ملكاً لجهة ولا حكراً على جهة، فلقد حان زمن بأن السلطة في بيتنا الواحد، والعدل قبالتنا المشتركة، والسلام طريقنا الوحيد، عندها فقط ستشرق شمس الخرطوم من جديد، ليعود النيل يغني للحياة؛ معركة الكرامة يا سودان هي معركة استرداد روحنا التي يختطفها الحروب، وحماية سيادتنا التي هي امتداد لكرامة كل طفل سوداني.
